محمد بن جرير الطبري
209
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) [ سورة البقرة : 129 ] ، فابتعثت منكم رَسولي الذي سألني إبراهيمُ خليلي وابنُهُ إسماعيل ، أنْ أبعثه من ذرّيتهما . ف " كما " - إذ كان ذلك معنى الكلام - صلةٌ لقول الله عز وجل : " ولأتم نعمتي عليكم " . ولا يكون قوله : " كما أرسلنا فيكم رسولا منكم " ، متعلقًا بقوله : " فاذكروني أذكركم " . * * * وقد قال قوم : إنّ معنى ذلك : فاذكرُوني كما أرسلنا فيكم رسولا منكم أذكركم . وزعموا أن ذلك من المقدم الذي معناه التأخير ، ( 1 ) فأغرقوا النزع ، ( 2 ) وبعدوا من الإصابة ، وحملوا الكلام على غير معناه المعروف ، وسِوَى وجهه المفهوم . وذلك أنّ الجاريَ من الكلام على ألسن العرب ، المفهومَ في خطابهم بينهم - إذا قال بعضهم لبعض : " كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن " - أن لا يَشترطوا للآخر ، لأن " الكاف " في " كما " شرطٌ معناه : افعل كما فعلت . ففي مجيء جواب : " اذكروني " بعده ، وهو قوله : " أذكركم " ، أوضحُ دليل على أن قوله : " كما أرسلنا " من صلة الفعل الذي قبله ، وأن قوله : " اذكروني أذكركم " خبرٌ مبتدأ منقطعٌ عن الأول ، وأنه = من سبب قوله : " كما أرْسلنا فيكم " = بمعزل . * * * وقد زعم بعض النحويين أن قوله : " فاذكروني " - إذا جُعل قوله : " كما أرسلنا فيكم " جوابًا له ، مع قوله : " أذكركم " - نظيرُ الجزاء الذي يجاب بجوابين ، كقول القائل : إذا أتاك فلانٌ فأته تَرْضَه " ، فيصير قوله : " فأته " و " ترضه " جوابين لقوله : " إذا أتاك " ، وكقوله : " إن تأتني أحسِن إليك أكرمك " . ( 3 )
--> ( 1 ) هو الفراء ، انظر معاني القرآن 1 : 92 . ( 2 ) أغرق النازع في القوس : إذا شدها ، وجاوز الحد في مد القوس ، وبلغ النصل كبد القوس ، فربما قطع يد الرامي . ونزع الرامي في قوسه نزعًا : جذب السهم بالوتر . وقولهم : " أغرق في النزع " ، مثل في الغلو والإفراظ . ( 3 ) هو من قول الفراء أيضًا ، انظر معاني القرآن 1 : 92 .